محمد بن جرير الطبري

519

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وقوله : ( وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ) يقول عز وجلّ : وعِظْهُم بما سلف من نُعْمَى عليهم في الأيام التي خلت = فاجتُزِئ بذكر " الأيام " من ذكر النعم التي عناها ، لأنها أيام كانت معلومة عندهم ، أنعم الله عليهم فيها نعمًا جليلةً ، أنقذهم فيها من آل فرعون بعدَ ما كانوا فيما كانوا [ فيه ] من العذاب المُهِين ، وغرَّق عدوَّهم فرعونَ وقومَه ، وأوْرَثهم أرضهم وديارَهم وأموالَهم . * * * وكان بعض أهل العربية يقول : معناه : خوَّفهم بما نزل بعادٍ وثمودَ وأشباههم من العذاب ، وبالعفو عن الآخرين : قال : وهو في المعنى كقولك : " خُذْهم بالشدة واللين " . * * * وقال آخرون منهم : قد وجدنا لتسمية النّعم بالأيام شاهدًا في كلامهم . ثم استشهد لذلك بقول عمرو بن كلثوم : وَأَيَّامِ لَنَا غُرٍّ طِوَالٍ . . . عَصَيْنَا الْمَلْكَ فِيهَا أَنْ نَدِينَا ( 1 ) وقال : فقد يكون إنما جَعَلها غُرًّا طِوالا لإنعامهم على الناس فيها . وقال : فهذا شاهدٌ لمن قال : ( وذكرهم بأيام الله ) بنعم الله . ثم قال : وقد يكون تَسْميتُها غُرًّا ، لعلوّهم على المَلِكِ وامتناعهم منه ، فأيامهم غرّ لهم ، وطِوالٌ على أعدائهم . ( 2 ) * * *

--> ( 1 ) من قصيدته البارعة المشهورة ، انظر شرح القصائد السبع لابن الأنباري : 388 . ( 2 ) هذا قول أبي عبيدة بلا شك عندي ، نقله عنه بنصه ابن الأنباري في شرح السبع الطوال : 389 ، من أول الصفحة ، إلى السطر السابع ، مع اختلاف في ترتيب الأقوال . وهو بلا شك أيضًا من كتابه " مجاز القرآن " ، بيد أني لم أجده في المطبوعة 1 : 335 ، في تفسير هذه السورة ، ولا في مكان غير هذا المكان . وأكاد أقطع أن نسخة مجاز القرآن ، قد سقط منها شيء في أول تفسير " سورة إبراهيم " كما تدل عليه تعليقات ناشره الأخ الفاضل الأستاذ محمد فؤاد سزكين . فالذي نقله الطبري غير منسوب ، والذي نقله ابن الأنباري منسوبًا إلى أبي عبيدة ، ينبغي تنزيله في هذا الموضع من الكتاب . والحمد لله رب العالمين . وانظر ما سيأتي : 535 ، تعليق : 4 .